نصر حامد أبو زيد

53

الاتجاه العقلي في التفسير

بالقدرة الحادثة التي يخلقها اللّه فيه مقارنة للفعل « فهي منه خلق وللعباد كسب » 28 . في اطار هذه النظرة للقدرة الانسانية ، وهي نظرة تظلّ - رغم مقولة الكسب الأشعرية - أقرب إلى الجبر منها إلى الحرية ، يصبح مفهوم العقل أنه « غريزة جعلها اللّه في الممتحنين من عباده ، أقام به على البالغين للحلم الحجة » 29 وهو « غريزة يولد العبد بها ثم يزيد فيه معنى بعد معنى بالمعرفة بالأسباب الدالّة على المعقول » 30 . والتفرقة بين الغريزة التي يولد العبد بها ، وبين المعرفة التي تسبب زيادة العقل تفترض بالضرورة أن العقل - الذي هو الغريزة - أساس ووسيلة للمعرفة . والمعرفة نفسها تنشأ عن استخدام العقل وذلك عن طريق النظر في الأدلّة . ومعنى ذلك أن ثمّ ثلاث مراحل للمعرفة الكاملة : المرحلة الأولى هي الغريزة الفطرية التي « وضعها اللّه سبحانه في أكثر خلقه لم يطّلع عليها العباد بعضهم من بعض ولا اطّلعوا عليها من أنفسهم بروية ، ولا بحس ولا ذوق ، ولا طعم . وإنما عرّفهم اللّه إياها بالعقل منه » 31 أي أنها غريزة لا يمكن التعرّف عليها إلّا بالعقل نفسه ، فهي غريزة غير مرئية أو محسوسة أو ملموسة . أمّا المرحلة الثانية فهي مرحلة الاستدلال والنظر . ويقسم الحارث المحاسبي الأدلّة إلى نوعين « عيان ظاهر ، أو خبر قاهر . والعقل مضمّن بالدليل ، والدليل مضمّن بالعقل . والعقل هو المستدلّ . والعيان والخبر هما علّة الاستدلال وأصله . ومحال كون الفرع مع عدم الأصل ، وكون الاستدلال مع عدم الدليل . فالعيان شاهد يدلّ على الغيب . والخبر يدلّ على صدق ، فمن تناول الفرع قبل احكام الأصل سفّه » 32 . والفرع هنا هو الاستدلال ، والأصل هو الأدلة . وتقسيم الأدلة إلى هذين النوعين ، ؛ العيان والخبر ، واعتبار العقل هو المستدلّ يعبّر عن ايمان بفاعلية العقل وقدرته على الوصول إلى المعرفة عن طريق النظر في الأدلّة . غير أننا يجب أن لا ننسى أن العقل غريزة من خلق اللّه ، وكذلك علينا أن لا ننسى أن الأدلّة هي التي أقامها اللّه أمام أعين المكلفين لينظروا فيها ويستدلوا ، فالعيان هو الأدلّة المادية القائمة في العالم والتي تدلّ على احكام الصنعة ووجود الخالق والمبدع والمخترع . والخبر - على مستوى المعرفة الدينية - هو خطاب اللّه للبشر على ألسنة رسله . والمرحلة الثالثة بعد مرحلة الاستدلال والنظر هي مرحلة المعرفة أو كمال العقل . ويتفاوت البشر في هذه المرحلة ، بناء على تفاوتهم في القدرة على النظر والاستدلال . وفي هذا الصدد يقسم الحارث المحاسبي الناس على أربع فرق « فرقة عقلت عن اللّه تعالى عظم قدره وقدرته وما وعد وتوعد ، فأطاعت وخشعت وفرقة